الرئيسية » كتب » مشاهِد من هارفارد .. بقلم الكاتب / الراحل جمال محمد أحمد
مشاهِد من هارفارد .. بقلم الكاتب / الراحل جمال محمد أحمد
تمهل سيدي وأنت تقرأ .الأديب الراحل جمال محمد أحمد . هرمٌ من أهراماتنا الأدبية والدبل
وماسية والسياسية . وهو كذلك عندما كان العمل العام يستقطب المُبدعين . تأهيلهم يُجبر أي حاكم مرَّ على وطننا أن يستنير بنيران ثقافتهم المُتأججة . هو أستاذ جامعي وكاتب وأديب و دبلوماسي تدرج في السلم حتى منصب وزير الخارجية كفاءة وليست مِنحة حاكم .
كان الراحل بوابة أطل منها كثيرون من داخل الوطن وخارجه على الأدب الأفريقي في بواكير النهضة الأفريقية من نير الاستعمار . كاتباً مُميز اللغة والأسلوب . خير تعبير شائع يصفه هو أنه كان مدرسة ، وأكاد أزعم أنه قد طور الكتابة العربية وقفز بها سماوات عالية منذ أكثر من أربعين عاماً . غادرنا في رحلة غياب أبدي في ثمانينات القرن الماضي ، وبقيت أحرفه تُنير دروب لم نـزل نستطلع آثارها ، في الاكتشاف الأول . درر من رحيق الأدب كانت كتابته ، رغم أنه لم يكن مُقلاً في الكتابة فقد سرقت عمره الدنيا فجأة .
من شمال الوطن منبته وسقى نبعه وطننا وأوطانا مُجاورة كانت تحلم ، نثـر لنا العذب من المكتوب . حريٌ بنا أن ننقل لكم بعض نص من نصوصه الأدبية عندما استدرجته مجلة الدوحة القطرية في السبعينات من القرن الماضي ( 1978 م ـ 1979 م ) ، على أيام رئاسة الدكتور محمد إبراهيم الشوش لتحريرها :عبدالله الشقليني 22/05/2005 م مشاهِد من هارفاردهارفارد و بوسطن على ضفتي نهر شارلز طرفا شارب على شفة . دخلا التاريخ معا : بوسطن على نحو سمع العالم أصداء أحداثه ، هارفارد قرية بالقرب غير ذات شأن . هارفارد مشت مع الأيام . ازدادت صيتا و فسحة ، بوسطن أعياها ثقل التأريخ ، بلت . لو لم تكن هارفارد لأضحت بوسطن مدينة يروحها عشاق الآثار والباحثون عن أنساب أهل العُلا ، المتخيرون طعامهم وشرابهم من مطاعم و مشارب في مجتمع أوصد الأبواب على نفسه وقنع بالذي كان . هارفارد باعثة الحياة فيها بأساتذتها وطلابها و زائريها .
لكنهما يحتاجان لبعض ، حاجة الزوج والزوجة يعرفان انهما لا ” يلفقان ” ، ” كارهان معا يعيشان ” .اليزابيث هاردوك” بوسطن ” نوفمبر 1959 م( يقولون عن هارفارد إنها عن نفسها راضية ، وبها مزهوة . كثيرون يرمونها بهذا وهي كمن لا يعي بالقالة ماضية شأنها ، بعض الأحايين تضع في يد القائلين المُبرر . فعلت هذا وهي تحتفي بمن تخرجوا عام 1935 م منها . كان حافلا برنامج الحفاوة وشملت محاضرة عنوانها ” واستوت في السماوات هارفارد ” قصد الذين قاموا على الحفل أن يروحوا عن أنفسهم وأنفس زوارهم بعنوان كهذا للمحاضرة ، ولكن ما كان بد من أن يتساءل الناس ، قالوا ، أتصدر النكتة إلا عن فئة من الناس تكاد تقول لغيرها أنظروا هاهُنا نحن القلة السعيدة ، لا يرقى لقمم سعدنا إلا المصطفون . )ماكس كنلف ” هارفارد “يوليو 71 في الشقة رقم 34 من الطابق الثالث والأخير في عمارة تُمسِكْ باثنتين أخريين عن يمين ويسار ،تطل كلها على بستانها الخاص وأشجارها الطوال حولها ، قضيت فترة الدراسية في هارفارد بدءا بأول الشتاء ختماً بأوائل الصيف ، مائة وخمسة وثلاثين يوماً .
ما رأيت كل هذه الفسحة في شبه هذه الرقعة ، كان أفسح بيت صغير سكنته ، لا اذكرني افتقدت شيئا فيه . تدخل تجدك تواً فيه . قبالتكْ خزانة المعاطف ، للبرد والحر ، ومشاجب للطواقي صُنعت لتحمي الرأس والأذنين ، وقبعات خفيف بعضها للرذاذ ثقيل بعضها لحمأة الشمس، وأخرى للمظلة ، ومسندة لأحذية الشتاء وخفها وأحذية الصيف ، وفراغاً لغير هذه من واقيات الحر والبرد ، فما اشتهر هذا الإقليم بطيب المناخ .خزانة الصيف والشتاء هذه داخل الحائط في الصالون ، حيث مجلس أضيافك و مجلسك . خطوات قليلة عبر هذا الصالون يسار مدخلك فتحة لدهليز عرضه متر طوله أمتار معدودة . تقف لدى الفتحة وجها لوجه أمام خزانة شبيهة بأختها أكثر عرضاً و عمقاً داخل الحائط ملئت مفارش وأكياس وفوط و زجاجات كثيرة . هذه للبلاط ، تلك للحمام ، جنبها فوط أخرى صفراء صفت على بعضها لنظافة الغرف والأثاث .
يسار هذه الغرفة باب يقود لحجرة نومك ، يمينها باب آخر لحمامك ، و خطوات من بعد قبالتك ، باب آخر يقود لمطبخك أعدّ ليخدم من يخدم نفسه ، على اليسار فتحة أخرى كفتحة المدخل على الدهليز تقود للمكتبة ، أفسح غرف البيت ، اقتعدت فيها طاولة الكتابة والقراءة مكاناً وسطاً وهي تكاد أن تملأ الحجرة طولا وتملاها عرضاً ، على يسارها رف للكتب بعرض الحائط هي خزانة ملابس سيد البيت ، وفي منحنى الحائط فراغ يبدأ عنده رف آخر للكتب . ترك هذا الفراغ في الحائط مكاناً لنافذتين تطل منهما إن شئت وترى من حيث تجلس إن شئت أشجارا طوالا تكاد أن تلامس النافذتين ، وراءهما شارع غير ضيق غير فسيح ، فساحة مرصوفة هي الأخرى يحف بأركانها الثلاثة شجر ، تطل عليها عمارات ثلاث شبيهات بأختها هذه في فرنالد درايف .
أول المساء تمتلئ الساحة سيارات حين يعود المعلمون والمعلمون الزائرون وأهلوهم من أعمالهم في مدارس هارفارد العدة ، وتفرغ منها أول الصباح حين يروحون ، و عندها يتسلم الأطفال والأمهات الساحة ، وتملؤها لعب الأطفال وصياحهم ، وتتنقل الأمهات جماعات من دفء الشمس حين يشتد ذلك الدفء يستحيل حرارة ، إلى ظل الأشجار معهن أقفاصهن والإبر والخيوط ذات الألوان ، مكورة داخل أقفاصها الصغيرة .إن اضطررت ليوم تقضيه داخل البيت لن توحش . النافذتان على يسارك عيناك لهذه الرئة الخضراء للطوابق الثلاثة هنا وأخواتها هناك عبر الطريق . تخضر الأشجار ويخضر العُشب في الربيع ، و تزهر الشجيرات فتؤنس ، أول الصيف يذوي الورق تسمعه يتساقط وتهرع عربات البلدية تجمعه من على الطريق ، والصفرة تستحيل مع الصيف الحارق سُمرة لها هي أيضا مذاقها ، كما لبياض الثلج على رءوسها مذاق آخر تنسيك فرحتك بالبياض ، أن أوراق خضراء حية صحبتك ، زماناً ، آنستك .
طبيعة رحيمة بك .البيوت مرايابيوت الناس مرايا الناس . ظلها . سيد هذا البيت هو الأستاذ روبرت فتزجرالد ، أستاذ الدراسات الإغريقية والرومانية في هارفارد . ما أتيح لي أن أراه ، و لا عرفت على التحقيق إن كان واحداً ممن في الصور الفوتوغرافية الصغيرة الثلاث في المكتبة . هذا بيت لا يسكنه غير رجل يحيا طمأنينة مُبدعة . كل ما في البيت سلام ، وبعيد ألا يكون هذا السلام إلا من صنع صاحبه . كل ما في البيت زاهد ، لكنه زهد من عرف كيف يجد السكينة داخله . لا يقول الواحد جديداً حين يقول إن لدراسات وقراءات واهتمامات الناس يداً في حياتهم التي يحيون والذي يتركونه وحاله . و صاحب هذه الدار ذهب المدى كله في هذا ، ذهبت به قراءاته ودراساته واهتماماته مدى أبعد مما تذهب بعامة الناس .
ترى أثر هذا المتاع الذي يقتنيه ، لكني أحب أن أترك هذا من أجل نظرة نُلقيها معاً على كتبه ، وتحس سلامة وطمأنينة إن قاومت إغراء أن تخرج كتاباً من مكانه ، إنه هناك لغرض ، يريد أن يبقى جنب عترته ليس عدلاً قلقه . إنها كتب رجل يعني بكتبه عنايته بأعضاء جسده ، عينيه ، أذنيه ، ساعديه . لا سعد إن قلق كتاب ، عفر أو اتكأ .في الصالون رف ، وفي المكتبة ثلاثة . كل ما في المكتبة ، غير القليل ، طبعات قديمة وحديثة لهومر و هيرودتس و ثيودوسيس و هسيود و غيرهم من سدنة تأريخ وفكر و خيال و شعر الإغريق في الأصل وفي الترجمات العدة . وفي المكتبة أوفيد وفرجيل في الأصل وفي الترجمات .ما مللت الطواف على رفاق صاحب داري ، ليلة من ليالي في الشقة ولا يوماً من الآحاد التي قد تطول حين تفرغ العمارات من ساكنيها ، ذهبوا يريحون أجسادهم وأذهانهم المنهوكة أو يمتعون أنفسهم ويذكرون إن لها شهوات غير شهوة العلم ، في كيب كود ، مارتافنيارد أو بيوت ريف ، يقتنون . ما اختار صاحبي هذه الرفقة غيرها ، إلا قلة أثيرة ، اعتباطاً في الذي رأيت حولي من كُتب و من متاع . هذه فئة من الناس كبرت على الطموح نفسه ، سكونها كان داخلها علواً على صخب حروب المذهب والسلطان ، يستحيل لغير كبير على السلطان والجاه والمال والرفاه ، أن يغني كما فعل أفيد في ” ايكولوجي “أغانيه التي جمعها عشاق الحياة ، ما كان يدرك وهو يغني بأنا نهتز لها نحن اليوم ألفا سنة من بعد ، بالذي كان يشدو به في زمان غير شاعر ، زمان ضجيج الفتوح ، بسالات الدماء ، سمو الغدر ، صراخ الساسة ، جدل الفقهاء حول شرعة الإمبراطورية ، عرق الناس تحت صخور الطرق يبنونها لسكارى الجند ، وعباقرة الحرب من القادة .
شأنه شأن الأولين هومر وهيرودتس ممن اختاروا مجد الكلمة و جلسوا ، طوفوا ، يرقبون يكتبون خالد الشعر ويسجلون دقائق أفعال الرجال والنساء .قرب هؤلاء يجلس وينام فتـزجرالد يستريح لأصواتهم الناعمة تصف أقسى القلوب بأنعم النغم ، يستنيم لها ، تجيئه من وراء القرون ، أصلحت صوتها السنون ، السنون تُلامسك في حنان جدك الكبير الرحيم ، على ظهرك وصدرك و ساقيك ، تخدر كلها يلذها منامها تنام .لنخرج من شقة فتـزجرالد التي أسكن ، لدنيا هارفارد ، كمبردج ، أطلنا الوقوف عند الكتب ، والذي توحي الكتب . كفاية .في طريقي أنا على مسيرة نصف ساعة من صخب هارفارد . أعبر بستان العمارات الثلاث أول الصباح أدخل فرنالد درايف ، يمينها ويسارها عمارات أخرى كهذه التي في شقة منها أسكن . لكل ثلاث من العمارات بستانها وأشجارها وشجيراتها . تنتهي كلها بعمارة مطبعة جامعة هارفارد ، ذات التأريخ الطويل ، حماها من عبدة اللوائح وسدنة الموازنات أخريات الستينات الدكتور درك بك رئيس هارفارد اليوم / كادوا بمنطقهم المالي أن يقصوا من جناحها قالوا إنها لا تنشر غير كتب العلم الخالص التي لا تنشرها المطابع التجارية ، لو لم تكن مطبعة هارفارد لماتت في أدراجها كتب من لا يكتبون لغير أضرابهم وغير طلابهم . الكتابة لطلابك وأصفيائك إثم نكير . هذه قلة . فقراء أكثرهم لا يشترون . يسار هذه المطبعة تدخل جاردن ستريت ، شارع من أطول شوارع كمبردج ، يمينك على رابية متحف النباتات ، قربه عند بييودي بيت من طوابق خمسة فيه لطلاب علم وصف الإنسان ، الأنثروبولوجيا ، كل ما يحتاجونه هنا . من خط الاستواء ومن قطب الشمال . يسارك رادكلف كلية البنات التي بدأت منذ مائة عام في زقاق قرب قلب المدينة كانت ذلك الزمان أزهر الشوارع . غير بعيد من هذه العمارة الحديثة يحيط بجوانبها كلها العليا زجاج صقيل شفاف ، منـزل الطلاب الكبار في 29 قاردن ستريت منـزل بابل كانت في بابل سيدة من السودان ، تعد لدراساتها العليا في الحقوق .
أذكر دارها فأذكر منـزلا في عين شمس أظل حافظ .ما أعرف كيف يستطعن . قال لي أستاذها إنها تسعده بالذي تكتب . في دارها كل مساء أزواج من أمريكا اللاتينية ، وأزواج من كينيا ، أنا حين يلح بي الحنين أجدني هناك . يأكلون مما تعد لهم من طعام السودان ، يأكلون كما لو كانوا يخشون أن لن يكون طعام غدا ، يرفع للسماء ثم يسترخون . يبحثون ، يأنسون ، يجدون ، يهزلون خالد الصغير ابن سيدة الدار وحده عالم . لو كان لسيدة غيرها لما كتبت بطاقة عيد . دعك بحث في فقه قانون ، قال لي أستاذها فشر ، إنه يقرأ ما تكتب كأنه يقرأ ضوءا جديدا على موضوع الكتابة .سأسرع بك من هنا ، لن نقف عند منازل بعض المعلمين ، لن نقف عند فندق شراتون فأمامنا ساحة لا يسعنا إلا أن نقف عندها ، إنها ساحة كمبردج . تحدثك أشجارها عن عمرها ، وكنباتها الصغيرة يمينها آية من آيات كمبردج في المعمار ، تباهي كل واحدة أختها بتاريخها وما هي في عمر سنت بول في لندن ، لكنها واحة في الصخب الذي يمر أمامها من حافلات و سيارات ومارة .
حين تجيئها تجيء طرف المدينة ، بينك وبينها دقائق تطول وتطول في الشتاء ، فالأرصفة هي هي التي وسعت الناس أخريات القرن الثامن عشر حين بنيت الكنائس . ويتراكم عليها الجليد ، فتجدك تلتقط خطوك بخفية . تقف لسيدة قادمة بعض الأحايين ، وتلف جسمك يميناً أو يساراً لغيرها ، تحس لوقتك إن كنت في عجلة من أمرك إن مشيت نحو براتل ستريت حيث الطريق أفسح ، وحيث لويب دراما سنتر . إنه لا يدعك . ما عندك معدي من أن تقف عنده ، إنه مسرح المدينة الأرقى وإليه تدعى فرق الولايات المتحدة وفرق أوربا ، وكمبردج مفتونة بكل شيء حتى تخالها دعيّة . في مسرح لوب تجيء فرق أعقد الباليه وتجيء أعقد الأوبرات ، لكنك رأيت صدر حديثي هذا الحياة التي بعثتها وطلابها الأساتذة ، فلنلق من نستطيع لقاءهم في سيرنا السريع هذا ، ونلطُف بهارفارد . جمال محمد أحمد مجلة الدوحة القطرية ( 1978 م ـ 1979 م )
لتحميل الكتاب
::::مواضيع مشابهه :::::::



المشاركات 0 معنا (RSS 0.2) لاتتردد في ترك تعليق